النفاق حول التمسك بالسلاح أو تسليمه
في زمن السفسطة والحقيقة المزيّفة في الخطاب السياسي، يُعدّ التراشق حول سلاح حزب الله مثالًا يُستحق تدريسه في الجامعات عن هذا المنحى التضليلي.
يتمسّك حزب الله بسلاحه، ويطلب خصومه تسليمه إلى الدولة، متذرّعين بشتى الحجج، وكلا الفريقين يدركان الحقيقة بشأن القرار، ولكنهما يتعمّدان تغييبها عن خطابهما.
فحيازة السلاح أو تسليمه عند حزب الله من الأمور الاستراتيجية، وهي مرتبطة أولًا بقرار وليّ الفقيه السيّد علي الخامنئي، كما أكّده الشيخ نعيم قاسم. وهذه الحقيقة لم تتردد كثيراً في تصريحات مسؤولي الحزب. أما خصومه الذين يتباهون بالضغط على الحزب لتسليم سلاحه، فهم على يقين أنهم لا يملكون الوسائل الفعلية لتحقيق مطلبهم. فالعوامل الحاسمة في هذا المجال تظل خارجية: إسرائيل التي حجمتُ السلاح، وسقوط نظام الأسد، والضغط الأميركي على إيران. وهي وحدها قد تدفع طهران لاتخاذ قرار بتسليم السلاح في لبنان أو حلّ الحشد الشعبي في العراق. أكثر من ذلك، فإن القوى "السيادية" (الممولة خليجيًا والمتظللة بالسفارة الأميركية في عوكر!) وافقت عام 2019 على شطب بند تسليح الجيش بقيمة 500 مليون دولار من الموازنة.
هذه القوى، وحزب الله، يوظّفان داخليًا هذا الجدل حول السلاح.
فالقوى السيادية، التي رغم اعتبارها هذا السلاح "خطرًا وجوديًا" على لبنان، لم تتوانَ عن الجلوس مع حزب الله، الذي "لا يشبهنا"، في الحكومات المتتالية منذ عام 2005، حفاظًا على شراكتهم في إدارة دولة الطوائف وتقاسم المغانم من خلال الزبائنية والتحاصص في المشاريع وتغطية الفساد. وأمام الأزمة الخانقة، ليس لدى السياديين أي مشروع جدي للخروج منها، عدا بعض الاقتراحات المتفرقة. ولا يملكون تصورًا عامًا ومتكاملًا للخروج من منطق الدولة في خدمة أسياد الطوائف، إلى دولة حديثة تقوم على المواطنة كهوية أولى. فتتبنّى الخطاب المناهض لحزب الله لملء الفراغ.
أما حزب الله، فيعلم أن السلاح، بعد أن حرّر الجنوب عام 2000، انتفت الحاجة إليه لهذا الهدف، وأصبحت وظيفته داخلية، لتهديد الخصوم وتكبير حصته في الإدارة وتوجيه القرار السياسي. جعل حزب الله من السلاح ركنًا من هوية الطائفة الشيعية، ما يصعب عليه اليوم التخلي عنه، ولو أصبح مقتنعًا بأن قدرته على ردع إسرائيل باتت هزيلة. كيف له أن يبرّر ذلك أمام جمهوره وأهالي الشهداء، وهو، كغيره من الأطراف، عاجز عن تقديم حلول لإخراج لبنان من المآزق العديدة التي يتخبّط فيها؟ فيصبح التمسك بالسلاح وقدسيته ستاراً يخفي وراءه هذا العجز.
السجال حول السلاح له منافع للطرفين. فيعلو سقف الخطاب والكراهية والتهديد، وصولًا إلى الاشتباكات المسلحة أحيانًا. وبهذا يشدّان العصب داخل قواعدهم الشعبية، مدّعين حمايتها، فتتعزز سيطرتهما عليها، لصرف الأنظار عن الانهيار الاقتصادي وتردّي الأحوال المعيشية وفقدان الودائع، وهم المسؤولون عن كل ذلك.
الانتخابات البلدية الأخيرة أظهرت هذا اللجوء إلى الحقيقة المزيّفة. فمن جهة، جعلتْ منها الأحزاب معركةً مصيريةً لحماية طوائفها ، فشدت العصب وخاضت معارك دونكيشوتية، مُدَّعِيَة انتصارات أسطورية لمجرّد الفوز بمقعد مختار. ومن جهة أخرى، لم تتردد في التحالف فيما بينها لإقصاء المستقلين، عبر تبريرات سفسطائية لم يصل إليها حتى بروتاغوراس الإغريقي.
ومعًا، يحملون رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء مسؤولية التقصير في ما يخص تسليم السلاح أو إعادة الإعمار وردع العدوان الإسرائيلي المتواصل، متناسين أنهم ممثّلون بحقائب أساسية في الحكومة ويسيطرون على مجلس النواب.
فإن كان هناك عتب على العهد لعدم توضيح خططه لهذه المسائل، فمن الأولى أن تبادر هذه الأحزاب إلى تقديم خطط عملية قابلة للتنفيذ، تأخذ في الاعتبار التعقيدات القائمة ، بدل الاكتفاء بشعارات جوفاء، وظيفتها الوحيدة التغطية على عدم أهليتهم لإنقاذ البلاد.