Canalblog Tous les blogs Top blogs Politique Tous les blogs Politique
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
citoyen libanais
13 août 2026

المقاربة الخاطئة للعفو العام

المقاربة الخاطئة للعفو العام

إنّ قانون العفو العام الذي أقره مجلس النواب، هو بعيدٌ كل البعد عن كونه حلاً جذرياً لمشكلةٍ اجتماعية تمسّ أيضاً بجذور العلاقة بين المواطن والدولة. فالقانون توجّه إلى ثلاث فئات: الإسلاميون السنّة، ومروّجو المخدرات الذين يشكّل شيعة البقاع أغلبيتهم ، واللاجئون إلى إسرائيل عام 2000، وغالبيتهم من مسيحيّي الجنوب. أمّا العلّة الأساسية في هذا القانون، فهي المنهجية التي يعتمدها. إذ يقتصر النقاش على المكاسب السياسية والانتخابية لكل ممثلٍ لطائفةٍ يسعى إلى العفو عن أفرادها، من دون التطرّق إلى الأسباب التي دفعت هؤلاء المواطنين إلى ارتكاب هذه الأفعال. فما هي هذه الأسباب؟

 

الفقر حافز ووسيلة.

طرابلس وعكّار، أي المنطقتان اللتان خرج منهما أكبر عدد من الإسلاميين، وبعلبك والهرمل، حيث يتحدّر منهما معظم مروّجي المخدرات، معروفتان بأعلى نسب الفقر والتخلّف الاقتصادي، وذلك رغم الإمكانات الضخمة التي تتمتّعان بها. في البقاع الشمالي، وبالإضافة إلى قدراته الزراعية ومعالمه السياحية، (مدينة بعلبك ونهر العاصي والجرود الخالية من العمران والتلوث) توجد مساحات واسعة تصلح لإقامة مشاريع في قطاع الصناعة الغذائية، والدوائية من خلال الاستفادة من القنّب الهندي، إضافةً إلى إنتاج الطاقة الشمسية على نطاق واسع في الأراضي القاحلة غير المروية. كما يتمتّع أيضاً البقاع الشمالي بوفرة في الكفاءات العلمية، ومع ذلك لا يزال متخلّفاً اقتصادياً .أما طرابلس وعكّار، فهما أيضاً تتمتّعان بمزايا سياحية (أسواق طرابلس الأثرية، وغابات عكّار العذراء، والشواطئ) واقتصادية كمرفأ طرابلس القريب من الحدود السورية، ومطار القليعات، ومعرض رشيد كرامي الفريد من نوعه عالمياً، إضافةً إلى إمكانيات صناعية متعدّدة ووجود كفاءات بشرية.

لكن هاتين المنطقتين، أي الشمال والبقاع الشمالي، لم تكونا يوماً من أولويات الدولة اللبنانية منذ نشأتها وحتى اليوم. وبعد عام 1990، ومع طفرة المشاريع في البنى التحتية، الاستثمارات الخاصة في البناء والسياحة والتجارة وبعض الصناعات، بقيتا خارج دائرة الاهتمام، فيما كان الفقر يستشري فيهما، رغم تمثيلهما الوازن في مجلس النواب والحكومة والإدارة.

ليس التقصير والفساد المسؤولَين الوحيدَين عن هذا الإهمال، بل هو سياسةٌ معتمدة من قِبل الأحزاب الحاكمة، تحدّث عنها أفلاطون منذ أكثر من 2500 سنة في كتابه "الجمهورية" (الكتاب الثامن)، حيث يشرح كيف تعتمد الأوليغارشية على إبقاء الشعب في حالةٍ دائمة من الفقر والعوز، مكتفيةً بتلبية الحد الأدنى من متطلبات البقاء، بما يضمن استمرار سيطرتها عليه. فالفقر يُعدّ من أبرز الحوافز للخروج عن القانون؛ فترويج المخدرات يؤمّن مدخولاً، والالتحاق بالجهاد يمنح معنىً لحياةٍ لا قيمة لها.

وثمّة أسبابٌ أخرى مرتبطةٌ بطرابلس أدّت إلى تنامي الحالة الإسلامية، كما ساهمت عواملُ متعلّقةٌ بالبقاع الشمالي في انتشار ترويج المخدّرات.

 

طرابلس قلعت المسلمين.

كانت هذه المدينة من أكثر المدن حماساً للأفكار الوحدوية العربية، (الناصرية والبعث) ومن أشدِّها تأييدًا للكفاح المسلّح الفلسطيني. وقد تزامن تلاشي جاذبية هاتين القضيتين مع اندلاع الحرب في لبنان، حين ترنّحت الهوية اللبنانية وتراجعت الدولة في مختلف مؤسساتها. فالطبيعة لا تحبّ الفراغ، والإنسان يبحث دائماً عن التزامٍ فكري يمنحه “معالم في الطريق” [1]. وهكذا أصبحت طرابلس المحافظة فريسةً سائغة للإسلاميين.

فهؤلاء، على عادتهم، يعزلون من القرآن الكريم ما يناسب خطابهم، لتجنيد الفقراء ودفعهم إلى القتال، ولتقليل قيمة حياتهم التعيسة أصلاً، مستشهدين بآياتٍ مثل: ’’وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع‘‘ (الرعد، 26)، متجاهلين آياتٍ أخرى كقوله تعالى: ’’الله الذي خلق السماوات والأرض‘‘ و تضيف الأية كيف سخّر للإنسان كلّ ما فيها (إبراهيم، 32-34)، وقوله: ’’يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيّبات ما رزقناكم‘‘ (البقرة، 172).

 

البقاع الشمالي وتركيبته الاجتماعية.

للبقاع الشمالي تاريخٌ طويل من المواجهة مع الدولة. فعلى مدى أربعة قرون من الاحتلال العثماني، وبما أنّ سكانه كانوا في أغلبيتهم من الشيعة الذين لم يكن الباب العالي السنّي يعترف بهم كمذهبٍ مستقل، كانت المواجهات بين الطرفين شبه دائمة. وقد تمكّن أمراء آل حرفوش من الحصول على إدارته لفتراتٍ معيّنة لأسبابٍ عملية، إلا أنّ السلطنة قضت على آخرهم، سلمان الحرفوش، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وتتميّز منطقة البقاع الشمالي بتركيبةٍ اجتماعية تقوم على الانتماء العشائري، الذي يصبح الانتماء الأوّل عندما تكون الدولة معاديةً لأهلها، أو مهملةً لهم كما هو الحال منذ تأسيس لبنان الكبير وحتى اليوم. فكيف لسكانها الفقراء أن يقدّموا قوانين الدولة على تقاليد العشائر، فيما بعض هذه العشائر تغضّ النظر عن ترويج المخدرات، تماماً كما يفعل ممثلوهم في الدولة من نوّاب ووزراء، سعياً إلى كسب ولائهم، وتعويضاً عن تقصيرهم في القيام بواجباتهم تجاههم؟

 

الجنوب المنسي دائماً.

كباقي الأطراف، بقي الجنوب خارج اهتمام الحكومات منذ الاستقلال، ويسوده الفقر. ومع تمركز المنظمات الفلسطينية على الحدود مع إسرائيل، تحوّل الجنوب إلى ساحةٍ لمواجهاتٍ متقطّعة، إلى أن وقع اجتياح عام 1978، فأصبحت الحرب جزءاً من يومياته. حينها غابت الدولة التي كانت قد تفكّكت كلياً، وانقسم الجنوبيون إلى فريقين. رحّب الفريق الأوّل بدخول الجيش الإسرائيلي، الذي أنهى الوجود الفلسطيني (خاصة بعد إجتياح العام 1982) ، الذي أصبح عبء عليهم، أمّا الفريق الثاني، فانخرط في مواجهة الاحتلال حتى التحرير عام 2000. وقد ضمّ الفريقان لبنانيين من مختلف الطوائف، مع أرجحيةٍ للشيعة الذين يشكّلون الغالبية السكانية في الجنوب و بعضهم انسحب مع المحتل يوم التحرير، إلا أنّ غالبية الذين لجأوا إلى إسرائيل كانوا من المسيحيين. فليس من المستغرب أن يلتحق أهالي هذه المنطقة، المنسيّة من قِبل الدولة، بالمنظمات الفلسطينية اقتناعاً بالقضية، ولكن أيضاً تعويضاً عن غياب أي أفقٍ لوجودهم على هذه الأرض، سوى تأمين استمراريتهم الفيزيولوجية. كما أنّه ليس من المستغرب، بعد تجاوزات المنظمات الفلسطينية وتصرفاتها الفوقية، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بممتلكات أهل الجنوب المتواضعة وسقوط قتلى جرّاء القصف الإسرائيلي ردّاً على العمليات الفلسطينية، أن يرحّب قسمٌ منهم بدخول الجيش الإسرائيلي، الذي وفّر لهم، ولو مؤقتاً، حالةً من الاستقرار وتطويراً للنشاط الاقتصادي لم يعرفه الجنوب من قبل.

 

الدولة.

باختصار، يبقى غياب الدولة، في شتّى المجالات الخدماتية والأمنية والدفاعية على الحدود، وفشلها في تحفيز النشاط الاقتصادي عبر تأمين البنى التحتية، وتنازلها عن صلاحياتها السيادية لصالح الأحزاب الطائفية، البابَ الأوسع لخروج المواطنين المُهمَلين والمُنهَكين عليها وعلى قوانينها، وللانجذاب إلى الوعود الوهمية للمتطرفين، وتصديق أنّ أيّ محتال قادرٌ على جلب الأمان والبحبوحة لهم .فقانون العفو العام يعالج الظاهرة لا أسبابها، ومن المتوقّع أن يعود من سيُعفى عنهم إلى تكرار الأفعال التي أدّت إلى دخولهم السجن.

أمين عيسى.

[1] عنوان كتاب سيد قطب، زعيم الإخوان المسلمين الذي أعدمه جمال عبد الناصر.

Commentaires
citoyen libanais
Newsletter
Archives