jerusalem 6

قرار الرئيس الأمريكي نقل سفارة بلاده إلى القدس لم يغير شيئا" في واقع الحال السياسي، فعملية السلام اغتيلت منذ اغتيال إسحاق رابين على يد متطرف يهودي. ولا تزال مراسم التشييع قائمة حتى الآن رغم النفي والتبريكات لكل مبادرة تتنصل الدولة العبرية من قراراتها، تارة بالخداع وأخرى بالمصارحة. واللافت بقرار الرئيس الأمريكي هو التعرض لرمز على يد رجل شبه أمي لثقافات الشعوب. 

فللقدس عدة رموز

أولا" خروج الشعب اليهودي من مصر فرعون والعبودية الى الحرية في القدس. ثانيا" ظهور السيد المسيح في المدينة، وطرده التجار من المعبد ورفض تتويجه على عرش إسرائيل، فمملكته ليست من هذا العالم. ثالثا" الاسراء بالنبي محمد من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى وعروجه الى السماء لملاقاة ربه، ملهم الحق. وهو قمة ما يتمنى الإنسان المؤمن الحصول عليه في حياته. وهذا ما يتفه البحث عن السلطة والمال والجاه.

ولكن تحولت هذه الإيحاءات الإلهية من خلال رمزية القدس، من قبلة للحرية الى وجهة للسلطة واستعبادا للإنسان.

فأولها كان مع الحروب الصليبية التي بحجة تحرير القدس، عملت على تحقيق مآرب مادية ومصالح سياسية في الصراع القائم بين الملوك والأمراء والكنيسة في أوروبا. ومن أين أتى بعبارة "حرب مقدسة" من ادعوا أنهم مسيحيون؟ ثانيها كانت المقاومة الشرعية للعرب والفلسطينيين للاحتلال الإسرائيلي للبيت المقدس وطرده للشعب من أرضه واضطهاد من بقي فيها. ولكن أصبحت طريق القدس تمر بعمان سنة 1970 وبجونيه عام 1976 وبزج الشعوب العربية بسجن" كبير بحجة تحرير القدس. وأما اليوم فقد اعاد المسلمون إحياء معركة صفين بحجة خيانة قضية القدس والتكفير المتبادل في أكبر انتحار جماعي تشهده البشرية، وإسرائيل تصفق. ونسي المسلمون كيف أن الإمام علي في صفين ، ضحى بالسلطة من اجل وأد الفتنة والحرص على قدسية الإنسان وليبقى المسلمون متحررين من عبودية السطوة. ثالثها تحويل القدس على يد اليهود من رمزية الحرية وهي حقيقة "أرض الميعاد" الى استعادة عاصمة الملك داوود.

فالباحثون الإسرائيليون أنفسهم يعترفون أن لا إثبات" علميا" على وجود الملك داوود في القدس. وللسخرية، رد الجنرال موشيه دايان، بطل حروب إسرائيل، على فرح وحماسة أحد ضباطه في حزيران من العام 1976 وهما يتأملان من مرتفع جنودهم امام حائط المبكي بالعبارة التالية "ماذا تريد أن نفعل بفاتيكان ثان"(1). رابعها، استمالة الرئيس الأمريكي أصوات اليمين المتطرف الممثل بالإنجيلين الصهاينة الداعين بكل الخير لدولة إسرائيل. وهذا الدعاء هو قمة الخباثة. فمن المعلوم عند هؤلاء الإنجيلين وتفسيرهم للتوراة، ان عودة اليهود إلى القدس تمهد لعودة المسيح ومن ثم تحويل اليهود الى النصرانية. خامسها استنهاض روح القتال عند المهزومين من عناصر داعش وسواها بعد فشل أسطورة الخلافة، بعدما تحولت خلافة الرسول من "هداية" و"نعمة" الى أبشع الظلمات.

 فلن ينجح الكفاح من أجل تحرير القدس، سلميا" ام مسلحا" كان، إلا بالعودة الى الرمزية الحقيقية للمدينة.

 

امين عيسى

 

17/12/17

 

 

 

  Au nom du Temple, Charles Enderlin, Seuil, page 22 -1